ابن قاضي شهبة

604

مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه

ثم ساس الخلق بتلك الأخلاق ، وزعموا أنّ المعجزات حيل ومخاريق . وللإمام أبي عبد اللّه محمد بن عليّ المازريّ الصّقلّي « 1 » ، كلام على ( الإحياء ) ، يدلّ على تبحّره ، وتحقيقه يقول فيه « 2 » : وبعد فقد تكرّرت مكاتبتكم ، في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم ( بإحياء علوم الدّين ) ، وذكرتم أنّ آراء النّاس فيه قد اختلفت ، فطائفة انتصرت وتعصّبت لإشهاره ، وطائفة منه حذّرت وعنه نفّرت ، وطائفة لعيبه أظهرت ، وكتبه حرّقت ، ولم ينفرد أهل المغرب باستعلام ما عندي ، بل كاتبني أهل الشرق بمثل ذلك ، فوجب عندي إبانة الحقّ . ولم تتقدّم إلى قراءة هذا الكتاب سوى نبذ منه . فإن نفس اللّه في العمر « 3 » ، مددت في هذا الكتاب للأنفاس ، وأزلت عن القلوب الالتباس . واعلموا أنّ هذا الرجل وإن لم أكن قرأت كتابه ، فقد رأيت تلامذته وأصحابه ، فكلّ منهم يحكي لي نوعا من حاله وطريقته ، أتلوّح منها من مذاهبه وسيرته ، ما قام لي مقام العيان ، فأنا اقتصر في هذا الإملاء على ذكر حال الرجل وحال كتابه ، وذكر جمل من مذاهب الموحّدين ، والفلاسفة ، والمتصوّفة ، وأصحاب الإشارات . فإنّ كتابه متردّد بين هذه الطّرائق الثلاث لا تعدوها . ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر ، ثم أبيّن عن طرق الغرور ، وأكشف عمّا فيه من خيال الباطل ، ليحذر من الوقوع في حبائل صائده . ثم أثنى المازريّ على أبي حامد في الفقه . وقال : هو بالفقه أعرف منه بأصوله ، وأمّا علم الكلام الذي هو أصول الدّين ، فإنّه صنّف فيه أيضا ، وليس بالمتبحّر فيها ، ولقد فطنت بعدم تبحّره فيها ، وذلك لأنّه قرأ علوم الفلسفة قبل تبحّره في فنّ الأصول ، فأكسبته قراءة الفلسفة جرأة على المعاني ، وتسهّلا للهجوم على الحقائق ، لأن الفلاسفة تمرّ مع خواطرها ، وليس لها حكم شرع يزعها « 4 » .

--> ( 1 ) محمد بن علي بن محمد التميمي المازري الصّقلي ( أبو عبد اللّه ) من بلده مازرة في جزيرة صقلية ولد سنة 453 ه وتوفي سنة 536 ه . محدث ، حافظ ، فقيه ، أصولي متكلم ، أديب . دفن في مدينة المهدية من إفريقية . وله تصانيف كثيرة . ابن خلّكان : وفيات الأعيان 1 / 615 ، الصفدي : الوافي بالوفيات 4 / 151 ، البغدادي : هدية العارفين 2 / 88 . ( 2 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 330 . ( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 341 . ( 4 ) نفسه 19 / 330 وابن الصلاح : طبقات 1 / 256 .